كم تنفق من المال لتأكل خارج المنزل أسبوعيًا؟: التجربة المحلية

التقارير تقول أن تغيّر أنماط الحياة في بلدنا أدى بدوره إلى تغيير أنماط الاستهلاك لدى العديد منا، وارتفاع معدل تناولهم الطعام خارج منازلهم. حيث أصبحت المطاعم واحدة من أسرع القطاعات نموًا في بلدنا. بالإضافة للتسوّق، تبدو فكرة تناول الطعام خارج المنزل الخيار المفضل لقضاء

الوقت لدى العائلات وطريقة رائعة لمقابلة الناس والأصدقاء في ظل عدم وجود وسائل ترفيه أخرى في المنطقة.

انتشرت المطاعم بشكل كبير جدًا في السنوات القليلة الماضية ولا تكاد أن تسير في أحد الشوارع في مدننا الرئيسية إلا وترى عددًا غير قليل من المطاعم بشتى الألوان والأشكال. أصبحت فيها المنافسة على أشدها، على الرغم أن تجارة المطاعم في العالم تمتلك أعلى معدلات المشاريع فشلًا، 60% من المطاعم الجديدة يضطر أصحابها للتراجع والإغلاق في السنة الأولى، و80% يتم إغلاقها في السنة الرابعة من الافتتاح! لكن كيف تستطيع المطاعم الاستمرار وتحقيق الأرباح؟

يعتمد المنافسة في مجال المطاعم كبيرة، والتفاضل بين تلك المطاعم على عاملين أساسيين هما السعر والجودة. قد لا يهم كثيرًا مكان المطعم وتصميمه الجذّاب أو حتى وجود مقاعد جميلة وواسعة فيه، فكل ذلك قد يختفي بعد أول زيارة للمطعم ولن يبقى في ذاكرة الناس والزبائن سوى السعر ولذة الأكل وجودته، غير ذلك هي أشياء ثانوية أو قد تخص فئة محدودة من الناس. تعرف المطاعم هذه القاعدة جيدًا، ولذا فهي تحرص على تحقيق درجات عالية فيها عندما يأتي الأمر حول آراء الناس أو ما يُسمى في التسويق بـ .

Word of Mouth

حينما يأتي الحديث حول مستوى جودة الأكل، لا تملك المطاعم سوى الاجتهاد في ذلك والعمل بشكل مضني للوصول للجودة والنكهة الخاصة فيها. أما على مستوى رأي الناس في الأسعار، فهذا الأمر يتم العمل عليه من خلال إحدى أهم الأمور في التسويق وهو التسعير الذي يجعل من حديث الناس عن المطعم مذهل ويجلب أعداد كبيرة من الزبائن بالإضافة لجعل عدّاد الأرباح يعمل بشكل جيّد.

مقياس الأسعار لدى الناس هو سعر الطبق وليس مبلغ الفاتورة

التسعير من الأمور المهمة في عملية المزيج التسويقي وهو خطوة مهمة من خطوات جني الأرباح والمحافظة على عملاء دائمين، والتي يجب أن يتقنها كل صاحب مُنتج أو خدمة. تقوم المطاعم بعرض الأطباق الرئيسية بأسعار منخفضة قدر الإمكان، حتى لو تطلب الأمر بيعها بربح زهيد جدًا، على الرغم من أنّ الأطباق الرئيسية هي الأكثر تكلفة مقارنة بباقي ما يتم تقديمه للزبائن. إذن، لماذا تقوم المطاعم بذلك؟

تفعل المطاعم ذلك لأن مقياس الأسعار لدى الناس هو سعر الطبق وليس مبلغ الفاتورة. بشكل أكثر إيضاحًا: قد لا يهمك كم كانت فاتورة صديقك محمد وزوجته، كونها كانت 170 شيكلا أو أكثر من ذلك بثلاثة أضعاف، فهذا لا يُعطي بالضرورة انطباعًا كاملًا عن أسعار المطعم الذي ذهبوا إليه بالأمس. لكن لو علمت أنّ سعر طبق الفيتوتشيني بالدجاج 32 شيكل و طبق ستيك بـ 45 شيكل، هذا يعني أن الأسعار ممتازة بشكل عام. لذلك، تحاول المطاعم رفع دخلها والأهم نسبة ربحها عن طريق عدة مصادر عالية الربحية:

أولا: يذهب الناس للمطاعم غالبًا حينما يشعرون بالجوع، والذي يجعل معدل الجوع يرتفع لديهم أكثر هو عند رؤية الطعام وأطباق الناس الجالسين حولهم، بالإضافة لقراءتهم قائمة الطعام. كذلك الروائح القادمة من المطبخ، كل ذلك يُحفّز المعدة لتفرز عصارتها مما يُصيبهم بقرصة الجوع. وعندها يخبرهم النادل بأنّ الطلب الخاص بهم يحتاج تحضيره 15 دقيقة ولذا يقترح عليهم بعض المقبلات حين أن تجهز الطلبات.

يوافق الكثير من الزبائن على ذلك ليس لأن الأطباق لن تكفي، ولكن لأنهم جائعون ولا يستطيعون الانتظار والنظر حولهم كل تلك المدة. يُقرّر غالبية الأصدقاء والذي قد تكون أنت أحدهم التشارك في أحد المقبلات. في الواقع، عادةً، لا يحتاج الأكل كل هذا الوقت للتحضير، لكن تفعل المطاعم ذلك ليقوم الناس بطلب المقبلات. في حين لو ذهبت لأحد المطاعم في آخر الدوام حيث الموظفين يريدون إنهاء الخدمة لمغادرة المكان، ولربما قمت بطلب أكثر الطلبات احتياجًا للوقت، ستجده أمامك في خمس دقائق أو أقل. إذن، المصدر الأول: المقبلات.

ثانيا: هل تعلم لماذا يباع مشروب الكولا في بعض المطاعم بسبعة شيكل أو أكثر؟ ببساطة، لأن المطاعم لا تريدك أن تطلب الكولا. بل تريدك أن تطلب العصائر، والتي تأتي بأسماء جذابة في كؤوس ملتوية و بألوان عديدة، ومظلة صغيرة مغروسة في شريحة برتقال. العصائر من أهم مصادر الربح لدى المطاعم، بل قد تفرض بعض المطاعم على الزبائن شراء مشروب مع الأكل! ولكي تغريك المطاعم لتطلب من عصائرها التي تباع بخمسة عشر أو عشرين شيكل، تقوم برفع أسعار البدائل (كالماء والكولا) لكي تشعر أن العصير ذو السبعة عشر شيكل أقل ثمنًا من مشروب الكولا ذات السبعة شيكل، حيث تعلم أنه باستطاعتك شراء علبة الكولا من البقالة المجاورة بأقل من ذلك بكثير بعد الخروج من المطعم، لكنك لا تستطيع إيجاد كوكتيل الفراولة أو حتى عصير البرتقال الطازج مع فاكهة زهرة الآلام (Passion). ونجد أنّ المصدر الثاني: المشروبات.

ثالثا: هل تشعر بالنعاس والخمول في كثير من الأحيان بعد الإنتهاء من أكل الوجبات الدسمة. كيف تقوم بطرد هذا الاحساس؟ نعم بالضبط، كافيين و سكر. أكل المطاعم المليء بالملح والدهون يجلب هذا الإحساس بالخمول عند الانتهاء منه، الكثير من الزبائن يقومون بطلب المشروبات الساخنة ويتشاركون في بعض الحلويات بعد الانتهاء من الأكل وبأسعار مرتفعة هي الأخرى. المصدر الثالث: القهوة والحلويات.

نستطيع القول بأنّ الأطباق الرئيسية هي الطُعم أو الفخ الذي تأتي منه 90% من أرباح المطعم تقريبًا، وهو أمر مشروع ما دمت ترغب بالشراء. لا تبيع المطاعم الأكلات فقط، بل تبيع المكان وجودة الأثاث والديكور، والشعور العام المليء بالأناقة واللباقة حيث التسعير في المطاعم هو تسعير للقيمة النهائية وليست تكلفة الأكل فقط.

 

بالتأكيد فإن تلك القواعد لا تنطبق على كل المطاعم، فهي خاصة بالمطاعم الفاخرة التي تقدم خدمة الأكل في طاولات خاصة يتم حجزها مسبقًا في الغالب . أما في مطاعم الوجبات السريعة مثلًا، تكاد تكون القاعدة مقلوبة بعض الشيء بحيث أن المشروب قد يكون مجاني مع الوجبة، وهو موضوع مختلف تمامًا باختلاف الفئة المستهدفة وتكلفة الأكل. تقديم الأكل والخدمة وجودة المكان هي أمور تأتي غالبًا بدرجة أقل في مطاعم الوجبات السريعة عن غيرها من المطاعم، وبالتالي فإن تكاليفها وقيمتها المالية تصبح أقل طرديًا. بالإضافة إلى أنه في تجارة مطاعم الوجبات السريعة بشكل العام، الهدف هو الحصول على زبائن أكثر ليدفعوا أقل، بينما الهدف في المطاعم الأخرى هو الحصول على زبائن أقل ليدفعوا أكثر.

في النهاية، تجارة المطاعم تحمل قواعد عديدة، ونجاح المطعم وتحقيقه لأهداف المبيعات و الأرباح المرجوة مرهون بتحقيق تلك القواعد. تفشل الكثير من المطاعم لأنها تركز في جوانب أخرى بعيدة جدًا وغير مدروسة بشكل جيّد.

 

One Reply to “كم تنفق من المال لتأكل خارج المنزل أسبوعيًا؟: التجربة المحلية”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *